عبد الملك الخركوشي النيسابوري

109

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

قال الإمام أبو سعد رحمه اللّه ورضى عنه : الرضا من مكارم الأخلاق ومعاليها ، التي قد حث عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصحابه ، ورغبّهم فيها ، إلا أن أهل العلم اختلفوا في معناه . فقالت طائفة : الرضا السرور بما دبّر اللّه تعالى وقضاه . وقالت فرقة : الرضا : استحسان القضاء . وقال بعضهم : هو الحبّ لما قضى اللّه عزّ وجلّ من بلاء أو شدة مما ليس فيه تباعد عن اللّه عزّ وجلّ . وقال بعضهم : الرضا ترك التمني لغير ما قضى اللّه سبحانه . فأما الحبّ لما قضاه فهو عزيز . وقال بعضهم : الرضا أن تعلم أنّ اللّه عزّ وجلّ قد خار لك وأنه أنظر منك لنفسك . فإذا علمت أنه قد قضى لك الخير وأراده بك فقد رضيت . وقالت طائفة : الرضا استقبال ما نزل بك من البلاء بالطلاقة والبشر ، وانتظار ما لم ينزل بك منه بالفكر والاعتبار . وقال ذو النون : الرضا سرور القلب بمرّ القضاء . وقال النوري : الرضا ارتفاع الجزع في أي حكم كان . - وسئل بعضهم : ما حدّ الرضا ؟ فقال : القنوع بما بدا . وقيل لذي النون : من أقهر الناس لنفسه ؟ قال : الراضي بالمقسوم . وقال أبو سليمان الدارانى : إن للّه عبادا استحيوا منه أن يعاملوه بالصبر ، فعاملوه بالرضا . وعن الحارث المحاسبي ، قال : لم يزل العارفون يحفرون خنادق الرضا ، ويغوصون في أنهار الرجا ، ويستخرجون جواهر الصفا ، حتى وصلوا إلى اللّه عزّ وجلّ في السر والخفا . وقال عبد الواحد بن زيد : الرضا باب اللّه الأعظم ، وجنة الدنيا ومستراح العابدين . ويقال : ثلاث من أعلام الرضا : الاستلذاذ للخلوة ، واستحلاء الوحدة ، والاستيحاش من الصحبة . وقال سفيان الثورىّ : الرضا قبول المقدور بالشكر . وقال الجنيد : الرضا رؤية البلاء نعمة .